محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
104
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الذي كان ينسج فيه غلمانه ، فقالوا : يا عبد السّوء ، أتهرب من مولاك ؟ ! ادخل واعمل عملك الذي كنت تعمل فيه ، وأمرني بعمل « الكرباس » « 1 » ، فدلّيت رجلي على أن أعمل ، فأخذت بيدي آلته ، فكأني كنت أعمل من سنين ، فبقيت معه شهرا أنسج له فقمت ليلة فنسجت ، وقمت إلى صلاة الغداة ، فسجدت ، وقلت في سجودي : إلهي لا أعود إلى ما فعلت ، فأصبحت فإذا الشّبه قد ذهب عنّي وعدت إلى صورتي التي كنت عليها فأطلقت ، فثبت عليّ هذا الاسم ، فكان سبب النسج اتّباعي شهوة عاهدت اللّه تعالى على ألّا آكلها ، فعاقبني بما سمعت » . وفي بعض الأخبار عن اللّه تعالى « إنّ أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبّتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي » ، وستأتي إن شاء اللّه تعالى كيفية مجاهدة النفس عند قوله ( ولولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) ولهذا المعنى كرهوا التزويج من غير ضرورة محققة ، لأنه إنما يقصد بذلك قضاء شهوته وبلوغ نهمته ، وذلك في الضرر به بمنزلة السمّ القاتل . وقد قالوا : « من وافق شهوته عدم صفوته » . وقال بعضهم : « من همّ بشيء مما أباحه العلم تلذذا عوقب بتضييع العمر ، وقسوة القلب ، وتعب الهمّ بالدنيا » . وقال أبو سليمان الداراني ، رضي اللّه تعالى عنه : « ثلاث من طلبهنّ فقد ركن إلى الدنيا : من طلب معاشا ، أو تزوّج امرأة ، أو كتب الحديث » . وقال : « ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوّج فثبت على مرتبته » . وكان إبراهيم بن أدهم ، رضي اللّه تعالى عنه ، يقول : « من تعوّد أفخاذ النساء لا يفلح » . وقيل لبعضهم : « لم لا تتزوّج ؟ ! فقال : المرأة لا تصلح إلّا للرجال ، وأنا ما بلغت مبلغ الرجال » . ثم فيه من مكابدة أمر غيره ، ومن مراعاة توفية حقوقه ، ومعاناة أخلاقه ، واتّباع مرضاته ما يشوّش على المريد حاله ، ويكدّر عليه وقته ، وقد كان له في معاناة أمر نفسه أعظم شاغل عن أن تضاف إلى نفسه نفس أخرى ، مع ما يتسلّط على باطنه من خوف من الفقر ، ومحبة الجمع والمنع ، وما يرتكبه بسبب ذلك من التأويلات والرّخص ، وذلك كلّه مضادّة لحال المريد .
--> ( 1 ) الكرباس : كلمة معربة وهي الثوب الخشن .